قد لا تكون النظم الديمقراطية أقل نظم الحكم استبدادا، بيد كما هو مطروح ومشهور، وليس كل نظام غير ديمقراطي مستبدا بالضرورة أو العكس، فكثيرا ما حملت الديمقراطية ومخرجات صناديقها ونتائجها لعروش الحكم حكاما مستبدين لا يؤمنون بها أساسا، أو يستبدون من خلالها بشعوبهم والتمكين لثقافة حكم غير ديمقراطية، فكل نظام حكم قابل أن يكون عادلا ورشيدا، ومعرضا في الوقت ذاته إلى الانجراف نحو الاستبداد. وعلى الرغم من أن الديمقراطية لا تعرف عن صندوق الانتخابات غير كونه وسيلة اختيار الحاكم والمسئول إجرائيا، فإن الكثير منهم يعتبر أن العملية برمتها تبدأ منه وتنتهي به، فتكون ديمقراطية مستبدة، لا تقبل النقد ولا الاختلاف، ومن هؤلاء رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الذي يسعى إلى الاستمرار في الحكم متجاوزا عوائق قانونية وسياسية، كان من المفترض أن تحول دون ذلك، ونماذج من الحكم شهدتها المراحل الانتقالية في العالم العربي بعد ثوراته؟!

ورغم تنامي الصراعات السياسية، وسيطرة أردوغان على المشهد السياسي (مشهد الرجل الواحد) طيلة اثنى عشر عاما خالية، غير أنه مازال مصرا على أن يبقى في السلطة خلال العقد القادم أيضا، محتكرا رئاسة الحزب الحاكم ورئاسة الوزراء ولا ينوي التخلي عنهما، إلى أن يتحقق له فوز بالانتخابات الرئاسية، بما يمكنه من الدعوة لانتخابات مبكرة تدعم سيطرته على الجمعية الوطنية لتيسير عملية تحول تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

أردوغان و"التحالف الثلاثي"

في امتحان انتخابي تاسع يخوض رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان[1]، غمار الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستعقد جولتها الأولى في العاشر من أغسطس المقبل، والتي ستنتهي إلى اختيار الرئيس الثاني عشر للجمهورية التركية، وأول رئيس منتخب من قبل الشعب التركي على عكس باقي الرؤساء الذين اختيروا من قبل البرلمان أو من قبل المجالس العسكرية التي قادت عددا من الانقلابات عبر تاريخ تركيا (1960- 1971-1980). وقد قام الرجل الثاني في الحزب الحاكم ونائب رئيسه محمد علي شاهين، بالإعلان عن قرار ترشح رجل الحزب الأقوى للانتخابات.

وعلى الرغم من أن أردوغان كان قد راودته أفكار تتعلق بالانتقال إلى مقعد الرئيس في عام 2007، غير أن احتدام الصراعات السياسية بين الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية وقتذاك، دفع بترشيح، وزير الخارجية وقتذاك، عبد الله جول[2]، الذي أعلن مؤخرا أنه أخبر رئيس الوزراء قبل ما يناهز الثلاثة أشهر أنه لا يفكر في ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة، وذلك ليتيح المجال أمام أردوغان الذي قدم نواب كتلة حزبه طلب ترشحه للمنصب مذيلا بتوقيع زهاء 311 برلمانيا، يمثل جميعهم نواب الحزب بالجمعية الوطنية التركية.
وبذلك، يكون عدد المرشحين لانتخابات أغسطس المقبل، قد اكتمل، وأصبح أردوغان المرشح الرسمي الثالث بعد كل من أكمل الدين إحسان أوغلو، الذي رشح عن أكبر حزبين معارضين، وهما: حزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية، إضافة إلى صلاح الدين دميرتاش، "الرئيس المشارك" لحزب الشعوب الديمقراطية، أحد الأجنحة السياسية لحزب العمال الكردستاني (PPK).

وفي حال عدم حصول أي من المرشحين للرئاسة على الأغلبية المطلقة (أكثر من 50%) من الأصوات المعتمدة في الجولة الأولى، ستجرى جولة ثانية، ويصوت الأتراك خارج البلاد في الجولة الأولى في الفترة من 31 يوليو إلى 3 أغسطس، فيما تجرى الجولة الثانية في الفترة من 17 إلى20 أغسطس، كما يبدأ التصويت عند المعابر الحدودية بتاريخ 26 يوليو.

وعلى الرغم من أن المنافسة ستكون في الغالب محصورة بين أردوغان وأوغلو، ويسعى كل منهما إلى ضمان "الصوت الكردي" (يعتبره الطرفان الصوت المرجح)، فإنه فيما سيدعم أردوغان نجاحاته السياسية والاقتصادية خلال السنوات الخالية ومشروعه لتحقيق "السلام الداخلي"، فضلا عن أدوار قيادات حزب العدالة والتنمية ووسائل الإعلام ومؤسسات الأعمال التابعة، فإن ثمة "تحالف ثلاثي" يدعم إحسان أوغلو، فالإضافة إلى حزبي المعارضة الرئيسيين، هناك جماعة فتح الله كولن (الخدمة)، والتي يبدو أن أوغلو، في حقيقة الأمر، مرشحها لمنافسة أردوغان على مقعد الرئيس.

أردوغان.. المرشح التقليدي

خطوة حزب العدالة بترشيح رئيس الوزراء تعكس "الطموح الأردوغاني" في أن يجلس "على مقعد أتاتورك بقصر جاناكيا، بعد أن يكون قد أخرج صديقه السابق عبد الله جول، بعد خلافات وصراعات لم تستطيع دبلوماسية الأخير نفيها. هذا الطموح لم يكن لمحض السعي لاستكمال المسيرة السياسية الناجحة والرغبة بتتويج المسيرة السياسية كسليمان ديميرل وتورجوت أوزال.

ذلك أن أردوغان يريد أن يمارس السياسية دون أن يتخلى على السلطة، مستندا في ذلك على كونه السياسي المخضرم، الذي قاد تركيا قرابة أثنى عشر عاما خلت، حيث قضى في منصب رئاسة الوزراء ثلاث دورات متتالية (12 عام)، ويخطط للبقاء في رئاسة الدولة فترتين (10 أعوام)، أي حتى الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية (2023).

ويسعى أردوغان كذلك إلى تحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، بما يجعل التصويت لصالحه في الانتخابات، بمثابة تأييد مطلق لأجندة الرجل الخاصة بأن يبدل موقعه دون أن تتأثر صلاحياته وسلطاته الواسعة. وقد أعرب رئيس الوزراء التركي في أول خطاب له بعد إعلانه مرشحا للحزب، عن إحساسه بـ "عظمة المسئولية" قائلا: "خرجنا في هذا الطريق وقد حملنا أكفاننا كما خرج من قبلنا السلطان ألب أرسلان، وحرقنا المراكب من خلفنا كما فعل من قبلنا فاتح الأندلس طارق بن زياد".

وقد حقق أردوغان العديد من الانجازات خلال الإثنى عشر عاما المنقضية، بما يدفع بعض الاتجاهات إلى تسميته بـ"المرشح الرئيس"، انطلاقا من تحقيقه لمجموعة من الانجازات السياسية والاقتصادية، فهو من ناحية استطاع أن يتجاوز عدد سنوات حكم عدنان مندريس، مستمرا في منصب رئاسة الوزراء طويلا محتلا المرتبة الأولى ضمن الرؤساء الـ 17 الذين تقلدوا هذه المهمة منذ إقرار التعددية الحزبية. دون أن ينفى ذلك أن عصمت إينونو، الرئيس الثاني بعد أتاتورك، ظل أطول فترة في رئاسة الوزراء، وذلك بمرحلة الحزب الأوحد بمدة تجاوزت الـ 16 عام. ويسعى أردوغان أيضا عبر ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة تحقيق عدد من الأهداف، يمكن رصد أهمها على النحو التالي:

تحقيق الهدف الرئيس الذي يسعى إليه أغلب رؤساء الوزراء في تركيا بأن يكلل عملهم السياسي بالإقامة في القصر الرئاسي، ارتباطا بأن الجلوس على مقعد أتاتورك حلم كل سياسي تركي.
يبغى أردوغان التمسك بالحكم حتى 2023، لكي يسطر أسمه كـ"سلطان عثماني"، ويبقى حتى تاريخ ذكرى مائة عام على تأسيس الدولة التركية المعاصرة، ليستكمل بذلك مشروعات كبرى كاستكمال إنشاء أكبر مطار في العالم، والانتهاء من إنشاء كوبر ثالث على مضيق البوسفور، فضلا عن عدد من المشروعات الاقتصادية والخدمية الكبرى.
الخوف من الملاحقات القضائية، التي تطال في العادة الكثير من الساسة والقادة الأتراك بعد الخروج من دائرة السلطة، خصوصا أن ثمة اتجاهات تركية تشير إلى أن الخروج من الحكم بالنسبة لأردوغان قد يمثل إذانا بفتح العشرات من ملفات الفساد التي قد تجر رئيس الوزراء التركي إلى المحاكم.
لدى أردوغان رغبة جامحة في السلطة والسيطرة والبقاء في الحكم، خصوصا أنه كان قد ألزم نفسه باللائحة الداخلية للحزب، والتي تحول دون ترشح أعضاء الحزب لأي منصب تنفيذي أكثر من دورات ثلاث، حتى تتاح الفرصة في تولي القيادة لشباب الحزب.
إحسان أوغلو  ودعم "التحالف الثلاثي"

فاجأ حزبي المعارضة الرئيسيين بترشيح أكمل الدين إحسان أوغلو وجها لوجه مع أردوغان، ولم تكن المفاجأة مواجهة للحزب الحاكم وحسب، وإنما حتى لقواعدهما الحزبية، وذلك بالنظر إلى كون أوغلو شخصية دولية مرموقة، ويعد أول أمين عام منتخب للأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي (عام 2005)، وأول شخصية تركية تعتلى هذا المنصب الرفيع، هذا إضافة لكونه أبن رجل الدين محمد إحسان افندي، فضلا عن أنه إسلامي معتدل، يتبنى رؤى تطالب بإبعاد الدين عن السياسية، واحترام مؤسسات الدولة القائمة وتقاليدها الراسخة.

وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه حملة أوغلو الانتخابية، انطلاقا من كون المثقف السبعيني غير معروف لدى قطاعات من الشعب ولم يشتهر بكونه سياسيا في السابق، فضلا عن أن محض ترشحه أثار انتقادات من قبل بعض "النخب الكمالية" العلمانية، وذلك بالرغم من أنه كان قد أعلن صراحة أنه يجب إبقاء الدين بعيدا عن السياسة- فإن ترشيحه يمثل مناسبة لخلق أجواء تنافسية شبه واقعية، سيما أنه قد يستطيع أن يستقطب العديد من أصوات الناخبين المحافظين والليبراليين واليساريين والقوميين على حدا سواء، ارتباطا بكونه يطرح نفسه وفق "صيغة الرئاسة القديمة"، التي تجعل الرئيس رمز للسلطة لا محتكرا لها كما يبغى أردوغان.

وإحسان أوغلو من مواليد 26 ديسمبر 1943 بالقاهرة، نشأ وتربي في حى الحلمية، وحصل على بكالوريوس العلوم عام 1966 والماجستير في الكيمياء 1970 من جامعة عين شمس، وعلى الدكتوراه من جامعة أنقرة عام 1974. وعلى الرغم من أن البعض يجد أنه من الصعوبة أن يفوز أوغلو بالانتخابات، فثمة من يرجح أن تكون المنافسة قوية لدور العلويين والأكراد، وانطلاقا من الاختلافات العميقة والتغيرات المتسارعة في المشهد السياسي التركي.

صلاح الدين دميرتاش مرشح الأكراد

قدم نواب كتلة حزب الشعوب الديمقراطية إلى رئاسة البرلمان التركي، طلب ترشيح الرئيس المشارك للحزب صلاح الدين دميرتاش، لخوض انتخابات الرئاسة. ودميرتاش من مواليد 1973، ودرس الحقوق بجامعة أنقرة، كما مارس المحاماة لفترة من الزمن. ويشكل الأكراد نحو خمس سكان تركيا. وحزب الشعوب الديمقراطية شقيق حزب السلام والديمقراطية، وهو الحزب المسيطر على جنوب شرقي تركيا الذي تسكنه أغلبية كردية. وقال دميرتاش على حسابه على "تويتر": "قام السيد إحسان أوغلو بزيارة لحزب الشعب الديمقراطي اليوم وطلب تأييدنا في الجولة الثانية، كذلك أبلغناه أننا نتوقع تأييد مرشحنا إذا تمكنا من خوض جولة ثانية".

وإذا ما كانت بعض الاتجاهات التركية تشير إلى أن هدف حزبي المعارضة الرئيسيين، في هذه الانتخابات ليس هزيمة أردوغان، وإنما محض منعه من كسب الانتخابات من الجولة الأولى، فإن الهدف الرئيس لأنصار دميرتاش، يتمثل في الحصول على نسبة كبيرة من أصوات الأكراد، ليعد ذلك مؤشراً دالا على ضرورة إعادة تموضع الأكراد في المعادلة السياسية التركية، وبما يساعد الحزب الكردي الرئيس في الانتخابات البرلمانية للعام 2015، وذلك بدعم من قبل الاشتراكيين الأتراك والقوميين الأكراد، وبمحاولة دفع المتدينين الأكراد إلى عدم التصويت لأردوغان، على الأقل في الجولة الأولى، وذلك لإنهاء "المشكلة الكردية" في تركيا[3].  

الرموز والحملات الانتخابية

في مؤتمر عقده حزب العدالة والتنمية بمناسبة الإعلان عن ترشيح أردوغان تم عرض شريط فيديو صغير عن حياة أردوغان، الذي ألقى كلمة تناول فيها أهم نقاط برنامجه ودعايته الانتخابيين. وأكد خلال حديثه على أن هذه الانتخابات هي "فتح جديد في تاريخ الجمهورية التركية. وهاجم مرشح المعارضة إحسان أوغلو، قائلا "لم أبدأ النضال السياسي بعد الستين، بل إنني أناضل منذ كنت في الثامنة عشرة". وكشف حزب العدالة والتنمية عن الشعار الذي سيخوض به أردوغان حملته الانتخابية.

ويظهر في الشعار اسم أردوغان بأحرف كبيرة كتبت باللون الأزرق. وحسب بعض الاتجاهات الإعلامية، فإن المستهدف من ذلك الإشارة إلى مسقط رأس أردوغان، إذ تعود جذوره إلى مدينة "ريزا" الواقعة على البحر الأسود. كما أنه يشير إلى الضوء في آخر النفق وثمة من رأ تشابه بين شعار حملة أردوغان، وشعار حملة الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما، في رمزية اعتبرتها بعض وسائل الإعلام، إشارة إلى النموذج الأميركي الذي طالما حلم به أردوغان، لتركيا.

وقد استخدمت حملة أردوغان الانتخابية شعارين. الأول هو "إرادة وطنية، قوة وطنية"، والثاني "رجب طيب أردوغان رجل الشعب"،. هذا فيما اختار أكمل الدين رمز الخبز لحملته الانتخابية: "من أجل الخبز.. أكمل الدين"، وهو ما ضاعف من تشكك بعض التقديرات الإعلامية من إمكانية فوز إحسان أوغلو بهذه الانتخابات، فالشعارات الانتخابية لحملته تشير ليس إلى انفصال عن الواقع التركي، الذي شهد تطورات ايجابية متسارعة خلال السنوات الأخيرة، وحسب، وإنما يعبر ذلك أيضا عن عدم خبرة سياسية وإلمام كاف بإدارة الحملات الانتخابية.

ذلك أنه قد يبدو غير مستصاغ لدى قطاعات تركية أن يحمل مرشح هم توفير الخبز في دولة تسعى إلى تشييد أكبر مطار في العالم، ويرتبط ذلك على جانب آخر بكون أكبر أزمة خبز عاشتها تركيا كانت في عهد حزب الشعب الجمهوري، الذي يترشح عنه إحسان أوغلو. كما أن مسؤولية المواد التموينية في تركيا تقع على عاتق الحكومة لا رئيس الجمهورية، خصوصا أن أوغلو لا يسعى إلى تعديل النظام السياسي التركي على غرار أردوغان.

وقد تفاقم الإحباط لدى قواعد المعارضة التركية عندما اختارت حملة أكمل الدين تصورا لتركيا ظهر في صورة للخارطة التركية يكسوها "سنابل القمح"، مما اعتبره البعض يدل عن غفلة القائمين على الحملة أن تركيا باتت أحد الدول المتقدمة في المجال الزراعي وتصنف في مراتب متقدمة على المستوى الصناعي والتكنولوجي والتجاري والسياحي. وقد عمق الشعور بالاحباط لدى بعض الأوساط المعارضة أن المؤتمر الصحفي، الذي عقده المرشح إحسان أوغلو، في 9 يوليو، لم يشهد دعما تنظيميا من جانب حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية.

أدوات الصراع الانتخابي

تشير تصريحات أردوغان وتوجهاته حيال الانتخابات العديدة التي خاضها على مدار ممارسته للعمل السياسي أنه ينظر إلى العملية الانتخابية وكأنها "حرب" يستخدم فيها أقدم الاستراتيجيات العسكرية ومؤداها "استجمع كل قواك، وأخرج أولا للميدان"، ويتم تدريس هذا المنطق في الأكاديمية العسكرية "وست بوينت" بالولايات المتحدة، ويتبع أردوغان المنهج ذاته، وذلك من خلال عدد من الأدوات، يمكن رصد أبرزها:

الغموض والمفاجأة:

عمد أردوغان أن يكون ترشحه للرئاسة بمثابة السر المعلن طيلة الأشهر ماضية، ففي الوقت الذي لم يبد فيه رئيس الوزراء سوى بعض تلميحات عابرة عن رغبته في الترشح، فإن الحديث على مستوى الحزب الحاكم لم يتطرق إلى حسم قضية ممثله في الانتخابات الرئاسية، ما بين رئيس الجمهورية عبد الله جول، ورئيس الوزراء أردوغان، بما دفع أغلب الاتجاهات المختلفة للاستفاضة في تحليل تصريحات أردوغان وأبرز قيادات حزبه.

وقد فهمت هذه التصريحات حسب اتجاهات أكاديمية وصحفية تركية أحيانا على أنها تشير إلى قرب ترشيح أردوغان، وفهمت أحيانا أخرى على أنها تؤكد وجود انقسام داخل الحزب بين أردوغان ورئيس الجمهورية الحالي جول. لذلك فإن كان ترشيح "ثلاثي المعارضة" لإحسان أوغلو بالمفاجأة، فإن ترشيح أردوغان قد جاء متأخر واتسم بـ"الغموض"، حيث أن حزب العدالة اعتمد الغموض حول هوية مرشح الحزب كجزء من الحملة الانتخابية المبكرة.

"التوظيف الإعلامي":

أٌعلن عن ترشح أردوغان في اجتماع ضم أربعة آلاف من أنصاره، وقامت 28 قناة تلفزيونية تركية بنقله مباشرة، بعد أن روجت له ماكينة إعلامية أياما متواصلة لتوحى بأنه حدث استثنائي. وتشير تقارير إعلامية إلى أن القنوات التي تتابع كل حركة وتصريح لرئيس الوزراء التركي بشكل دائم، تتجاوز العشرين قناة، وهى في الغالب تبث لقاءاته على الهواء مهما طالت ساعاتها، وتؤكد هذه التقارير أن البعض من تلك القنوات لها مصالح وعلاقات استثمارية مشتركة مع الحكومة، هذا فيما يخشى البعض الآخر أن يتعرض لهجوم أردوغان.

وقد اعترض مرشحى المعارضة من تحيز هذه القنوات، فقد قال صلاح الدين دميرتاش أن أكثر هذه القنوات تحيزا هي قناة TRT الحكومية، وقال إن القناة التي من المفترض أن تتصرف تجاه المرشحين وفق ما نص عليه القانون، فقد انحازت لأردوغان وبثت له 305 دقائق، ولم تبث لمنافسيه دقيقة واحدة. ولا يخرج أردوغان إلا أمام الصحفيين الداعمين له، وترجح تقديرات ذلك لكونه شخص مفرط الثقة بنفسه، لا يتحمل ثقل الأسئلة المحتمل طرحها عليه من قبل معارضيه، بما لا يجعله يفضل المؤتمرات والمحافل المفتوحة للأفكار ووجهات النظر المختلفة.

المهمة المستحيلة:

ثمة دوائر قريبة من رئيس الوزراء التركي تسعى إلى تأكيد أن معركة الانتخابات الرئاسية محسومة مسبقا لصالح أردوغان وأنها أشبه بـ"المهمة المستحيلة" بالنسبة لمنافسيه، ويتجلى ذلك على مستويين أولهما مستوى الترويج لاستطلاعات الرأي العام، والتي تظهر أغلبها أن ثمة فرص لفوز أردوغان بالانتخابات من الجولة الأولى. وثانيهما، فيرتبط بخطابات أردوغان وتصريحات قادة حزبه التي يٌستخدم فيها لهجة تؤكد حتمية فوزه بانتخابات العاشر من أغسطس. وفي هذا السياق قال نائب رئيس الوزراء بشير أتالاي، في وقت سابق، إن "الناخبين لن يساهموا في فوز مرشح دخلوا إلى موقع Google للبحث عن اسمه".

وقد أظهر استطلاعان للرأي أن أردوغان سيحصل على ما يتراوح بين 55 و56 في المائة من أصوات نحو 52.6 مليون ناخب تركي في الجولة الأولى. وأظهر الاستطلاعان أن دميرتاش سيحصل على أقل من عشرة في المائة من الأصوات. وحسب استطلاع أجرته شركة "آنار"، فإن الناخب التركي يتجه نحو منح 55 بالمائة من أصواته لمرشح الحزب الحاكم، و37 بالمائة لأكمل الدين أوغلو، ونحو 8 بالمائة لمرشح حزب السلام والديمقراطية. وأظهر استطلاع رأي آخر لمعهد ماك كونسلتنسي احتمالات فوز أردوغان بنسبة تقترب من 56.1 في المائة.

"نقاط ضعف":

سعى كل طرف من أطراف الصراع الانتخابي في تركيا لإظهار العديد من جوانب الضعف والقصور لدى الطرف الآخر، وقد عمدت بعض تصريحات قيادات المعارضة التركيز على ما اتسم به أداء رئيس الوزراء التركي خلال السنوات الأخيرة من قدر عالي من العصبية والتوتر، ومحاولته السيطرة على المعادلة السياسية وإقصاء سائر معارضيه، وتحول نهجه في إدارة الدولة إلى نهج صراعي. وقد قال أكمل الدين إحسان أوغلو إن الانتخابات الرئاسية ليست انتخابات تغيير السلطة، وإنما هو رئيس جمهورية واحد فقط".

ومع أن أردوغان حاول مواجهة ذلك بالإعلان في 10 يوليو "وثيقة رؤية" للانتخابات الرئاسية، وذلك في مركز الخليج للمؤتمرات، وتحدث خلال هذا اللقاء عن "الظلم" الذي عاشه، ابتداءً من عام 1945. بيد أن المعارضة وضعت إستراتيجية ركزت على عدد من النقاط، تم تسليط الضوء عليها إعلاميا، من قبل بعض وسائل الإعلام القريبة من "التحالف الثلاثي"، ومنها:

- إن أردوغان تحول إلى حاكم استبدادي بشكل تدريجي من خلال التسجيلات الصوتية التي تم الكشف عنها عقب فتح التحقيق في قضية الفساد والرشوة في 17 ديسمبر الماضي، حيث عمد إلى التدخل بنفسه في الإعلام والمناقصات وحتى القضاء.

- لقي 35 مواطنا كرديا مصرعهم إثر قصف مقاتلات من طراز  "إف-16" على قافلتهم شمال العراق بالقرب من بلدة أولودره التابعة لولاية "شرناق" الحدودية جنوب شرق تركيا في 28 ديسمبر 2011، ومع ذلك لم يقدم المسئولون عن الحادث للعدالة.

- لقي 52 شخصا حتفهم، وأصيب 146 آخرون جراء انفجار سيارتين مفخختين في بلدة ريحانلي، التابعة لولاية هطاي الحدودية جنوب تركيا في 11 مايو 2013، ويعتبر هذا الهجوم أكثر الهجمات الإرهابية التي شهدتها تركيا على مدار تاريخها الحديث دموية، وكان أردوغان قد أثار الرأي العام بعدما آثر زيارة الولايات المتحدة عقب الحادث بدلًا عن زيارة موقع الهجوم وأسر ضحاياه.

- تلقت فرق الجاندرما (الدرك) في ولاية أضنة جنوب تركيا بلاغا يفيد بتوجه 7 شاحنات محملة بالأسلحة إلى الأراضي السورية، فبادرت إلى إيقافها، الأمر الذي أغضب حكومة حزب العدالة والتنمية كثيرا، كما اعتقل بعض الصحفيين الذين التقطوا صورا لهذه الشاحنات، وفي الوقت الذي زعمت فيه الحكومة أن الشاحنات تنقل مساعدات إنسانية إلى تركمان سوريا، أعلن التركمان أنهم لم يتلقوا أي مساعدات، وتدعي المعارضة التركية أن الأسلحة التي كانت تنقلها الشاحنات حصل عليها تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش).

- الأحداث التي شهدتها قرية سوما، التي لقي فيها 301 من عمال المناجم مصرعهم، فقد عمد مستشار أردوغان إلى ركل مواطن في البلدة ذاتها، ولا يزال هذا المستشار يواصل عمله إلى جانب أردوغان بطريقة طبيعية حتى الآن.

- أطلق أردوغان وصف "الإرهابي" على الطفل بركين علوان، الذي أصيب بينما كان في طريقه لشراء الخبز خلال أحداث جيزي بارك في إسطنبول، ثم مات بعدها بفترة، فضلًا عن أنه حقر والدة الطفل في الميادين الانتخابية.

- بعد أن وصف رئيس الوزراء التركي شبكتي "أرجينيكون" و"المطرقة" بأنهما كانتا محاولتين للانقلاب على حكومته والإطاحة بها، فقد تراجع عن هذا الوصف بعد تحقيقات الفساد والرشوة في ديسمبر الماضي، ثم عاد مرة أخرى خلال المؤتمر الذي عقده في 10 يوليو لإطلاق حملته لانتخابات الرئاسة لوصفهما بـ"المؤامرة".

مرونة وتشدد:

على الرغم من أن أردوغان بدا أكثر تشددا حيال معارضيه وسعى أكثر من مرة للتقليل من شأن إحسان أوغلو، بما يوحي بأنه لا يتوقع منه منافسة تطلق خلال الانتخابات، فإن الأخير وفي مقابل ذلك تجنب الدخول في ما أسماه مؤيدوه "مهاترات إعلامية"، مبتعدا قدر الإمكان عن رفع درجة الحماسة في التنافس، إذ يعتقد بأن ذلك يصب في مصلحة أردوغان.

ورفض إحسان أوغلو التعليق على وصف أردوغان له بأنه "حارس" أو "بواب" باللهجة المحلية، بحجة تمسكه ببقاء وظيفة رئيس الجمهورية في إطار الحياد السياسي، مكتفيا بإعلان احترامه لسلطات الرئيس المنصوص عليها في الدستور. كما تجاهل أوغلو انتقادات رئيس الوزراء لتصريحه في شأن الوقوف على الحياد في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وإذا قارنا بين شخصيتي المرشحين، فإن إحسان أوغلو أوضحت تصريحاته وإدارة حملته خلال الفترة القليلة الماضية أنه أقل خبرة من أردوغان، وقد أعطى أوغلو إشارات على ذلك خلال مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه ترشحه، وسعى للرد على ترف أردوغان ببساطته، وعلى لغته العدوانية بهدوئه، وهو يفضل الأجوبة القصيرة دون الخوض في المشادات الكلامية، مؤكدا اختلافه عن منافسه، ليس على مستوى الأسلوب فحسب، وإنما على مستوى المضمون والمحتوى أيضا.

تمويل الحملات:

ينص القانون التركي على أنه يمكن للأفراد التبرع بقيمة أقصاها 9 آلاف و82 ليرة تركية (نحو 3350 دولارًا)، وتطلب شبكة الاستقرار والإشراف من المتبرعين نشر أسمائهم الحقيقية، ويتم تحويل حملة التبرعات، التي أعلن عنها في خطابه الانتخابي، إلى سباق للتبرعات لدعم مناقصات المشروعات الحكومية، وتشير اتجاهات إلى أن ذلك قد يكون سببا في ردع رجال الأعمال الذين يدعمون مرشحي المعارضة، ذلك أن حزب العدالة يقوم بالتضييق على كافة "قوى الدعم والمساندة" لأحزاب إعلامية سواء تمثلت في مؤسسات مالية أو مجموعات اقتصادية أو صحف وقنوات إعلامية.

وفي بادرة تعكس نمط شخصية المرشح المشترك لحزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية قدم أكمل الدين أوغلو لمرشحي حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطية مبلغ رمزي قدره 1000 ليرة تركية (حوالي 485 دولارًا) مع بدء حملة التبرعات للمرشحين. وفيما رفض أردوغان تسلم التبرع من منافسه ووجه تعليمات بإعادتها بعد دخولها في حسابه الشخصي. فقد تقبل مرشح الحزب الكردي دميرتاش تبرع منافسه إحسان أوغلو، مؤكدا في رسالة على موقع "تويتر" أن عليه بدلا من التبرع لرئيس الوزراء أن يتبرع له لأن أردوغان "لديه مبالغ كبيرة في حسابه وهو ليس في حاجة إلى هذا المبلغ الرمزي".

أتراك الخارج:

أطلق أردوغان في الأسابيع الماضية حملة علنية لدى الجاليات التركية الكبيرة في ألمانيا والنمسا وفرنسا التي سيمكنها للمرة الأولى المشاركة في الاقتراع في البلاد التي تقيم فيها، وذلك بهدف ضمان أصوات الغالبية منها. هذا فيما يعتمد أكمل الدين أوغلو على سمعته الدولية كأمين عام سابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وباعتباره شخصية دولية مرموقة، بما يجعله يرجح أن تؤيده قطاعات واسعة من "أتراك الخارج"، خصوصا أن جولة أردوغان بالعديد من الدول الغربية، والتي استهدفت في أحد جوانبها حشد الدعم له، قد قوبلت بمظاهرات مناهضة في العديد من هذه البلدان.

قضايا الانتخابات.. الساحة المحلية

المواجهة مع "الخدمة":

واحدة من قضايا الانتخابات الرئيسية تتمثل في الصرع الدائر بين جماعة "الخدمة" من جانب، ورئيس الوزراء التركي من جانب آخر، وقد حملت تصريحات أردوغان الأخيرة مؤشرات دالة على أن الصراع بين الجانبين مرشحا للتصاعد، فقد أكد على مضيه في صراعه مع جماعة فتح الله كولن حتى في حال فوزه بالانتخابات، وقال: "لن نتهاون على الإطلاق حيال الكيان الموازي المتغلغل داخل الدولة، بل سنواصل مكافحة هذا الكيان، الذي يُستخدم كأداة لاستهداف استقلال بلادنا".

هذا فيما أخذت جماعة كولن عبر العديد من كبار الإعلاميين والصحفيين المرتبطين بها في تصعيد خطابها الإعلامية حيال أردوغان، الذي وصف الجماعة وأعضاءها في بداية الأمر بـ"المنظمة السرية" و"التنظيم المواز للدولة"، وفي النهاية أصبح يصف الجماعة بأنها "تنظيم إرهابي"، ويصف فتح الله كولن بـ"مسودة عالم". ويعتبر أتباع الجماعة بأنهم "حشاشون"[4] يستخدمون المخدرات وينفذون اغتيالات.

وفي مقابل ذلك، فقد انتقد أوغلو، مزاعم أردوغان بوجود "كيان موازٍ" داخل مفاصل الدولة، قائلا إن هذه ادعاءات ساقتها حكومة حزب العدالة والتنمية في الفترة الأخيرة، لكن لا يوجد دليل عليها. مضيفا، أن جميع موظفي القطاع العام عليهم الولاء للدولة، ولا شيء غيرها بحسب ما ينص عليه الدستور.

"سلام الداخل":

ركز أردوغان في تصريحاته على محورية ملف "تسوية القضية الكردية"، وأشار إلى أن: "منصب رئاسة الجمهورية لن يكون بالنسبة لنا محطة استراحة أبدا.. قلنا مرارا إننا سنسير في عملية السلام الداخلية مهما كان الثمن، ولن نسمح إن قدر الله لنا منصب رئاسة الجمهورية بأن تتوقف عملية السلام، فتركيا لا مناص لها من الأخوة والسلام". متابعا: "على الجميع أن يعلم، أنه لو قرر الشعب انتخابي رئيسا للجمهورية التركية، فسأكون رئيسا جامعا بين الشعب، والدولة، وعينا على مصالح الدولة، وسندا للديمقراطية والشعب"[5].

وفيما يخص موقف المعارضة، فإنه وعلى غرار الانفتاح على الجماعات المتدينة ثمة محاولة مماثلة للانفتاح على القضية الكردية، إذ زار رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليغدار أوغلو، مدينة دياربكر العاصمة التاريخية لأكراد تركيا، ومن هناك خاطبهم بالقول إن حزبه لم يعد الحزب الذي أُنشئ في ثلاثينات القرن الماضي وأنه يدعم الحريات وحقوق الإنسان ويعمل على إيجاد حل سياسي للقضية الكردية.

"نظام رئاسي":

بموجب الدستور التركي الذي يعود إلى 1982، فإن منصب الرئاسة يعد منصبا فخريا، غير أن أردوغان سعى خلال العام الماضي إلى تحويل البلاد عن النظام البرلماني، وسعى لفرض نظام رئاسي، ولمح إلى أنه سيستخدم كل السلطات الموضوعة في تصرفه وأنه ينوي الاستمرار في حكم البلاد. وقال أردوغان في 2014: "إن الرئيس المقبل لن يكون شكليا". وأضاف: "أن تركيا الجديدة في حاجة إلى قيادة قوية تجمع القوة تحت يد الرئيس وتراقَب من قبل ناخب ومن صندوق اقتراع لآخر، وليس إلى نظام برلماني يغل أيدي الحكومة تجاه السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية". هذا فيما يرى إحسان أوغلو أن النظام البرلماني الأكثر تجانسا مع نمط الحياة السياسية في تركيا.

"دستورية الترشح":

اعترض محرم إنجي رئيس الفريق البرلماني للحزب الجمهوري على ترشح رجب طيب أردوغان إلى رئاسة الجمهورية من دون تقديم استقالته من رئاسة الوزراء، وقدم محاميه، خلوق باكتشان، عريضة إلى اللجنة العليا للانتخابات مشيرا فيها إلى المادة 11 من الدستور التركي. ونبه محرم اللجنة العليا للانتخابات إلى تنافي الجمع بين مهمتين لأنه يتعارض مع ضمان "مبدأ المساواة" الموقع عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

بيد أن هذا الرأي لم تأخذ به اللجنة العليا للانتخابات والتي حسمت أمرها بأحقية أردوغان بخوض الانتخابات محتفظا بموقع رئيس الوزراء، وقد أكد حسين تشاليك نائب رئيس حزب العدالة والتنمية والناطق الرسمي باسمه، أنه لا توجد أي مادة دستورية أو قانونية، تقتضي استقالة رئيس الوزراء من رئاسة الحكومة، بعد ترشيحه رسميا لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة. وأشار إلى أن اللجنة العليا للانتخابات كانت قد نشرت قائمة بأسماء الأشخاص الذين يتعين عليهم الاستقالة من مناصبهم إذا ما عزموا الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأنه ليس من بين هذه الأسماء نواب البرلمان أو الوزراء أو رئيس الوزراء.

ويحق لأردوغان البقاء كرئيس لحزب العدالة والتنمية حتى الـ 28 من أغسطس، أي حتى انتهاء الجولة الثانية حتى وإن ثبت فوزه في الجولة الأولى، وقد أكد بولانت أرينج نائب رئيس الوزراء، أن ولاية أردوغان ستنتهي مباشرة بعد اختياره رئيسا للجمهورية، وسيتم تعين رئيس وزراء مؤقت وأمين عام الحزب في شهر أكتوبر، ليظل على رأس الحزب والحكومة إلى مطلع عام 2015.

قضايا فساد:

تابعت أحزاب المعارضة، متابعة قضية التسجيلاتِ الصوتيةَ لرئيس الوزراء، والتي طلب فيها من نجله "بلال" اتخاذ التدابير اللازمة، ونقل الأموال المخبأة في منزله، إلى مكان آخر. وكان أردوغان نفى، بشكل قاطع، صحة هذه التسجيلات الصوتية، والتي تتضمن طلبه من نجله نقل 30 مليون يورو موجودة في منزله إلى منازل أقربائهم، موضحا أن التسجيل الصوتي عبارة عن مونتاج وفبركة. وفي السياق ذاته، أكد مجمع الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركي، الذي شهد إبعاد موظفين عن عملهم، في التقرير الذي أعدته إدارته الجديدة، أن التسجيلات مفبركة، وتم تجميعها من مقاطع.

وتقدمت أحزاب المعارضة بطلب، للمرة السادسة، للاطلاع على ما جاء في التقرير، الذي أعده مجمع الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركي، كما طلب أردال أكسونجر، نائب حزب الشعب الجمهوري عن مدينة إزمير، من فكري إيشيك، وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا، الكشف عن التقرير الذي أعده المجمع التابع للوزارة. كما دعت الأحزاب والخبراء إلى إرسال التسجيلات الصوتية التي جرت بين أردوغان ونجله "بلال" إلى مجمع يتمتع بمصداقيته دولية لتحليلها والتأكد بشكل قاطع من صحتها.

ويقول أردوغان، إن التسجيلات الصوتية، والتي ظهرت بعد قضية أعمال الفساد والرشوة في السابع عشر من ديسمبر الماضي، غير سليمة، وقام بها ما يسميه بـ "الدولة الموازية" لإسقاط حكومته. وعلى الرغم من محاولة أحزاب المعارضة توظيف هذه القضايا للفوز بالانتخابات البلدية السابقة، غير أن أردوغان خرج فائزا بنسبة اقتربت من ـ45 بالمائة.

الانتخابات .. وقضايا السياسة الخارجية

كشفت متابعة التطورات الخاصة بالحملات الانتخابية أن ثمة قناعة لدى حزبي المعارضة الرئيسيين بأن إحسان أوغلو الذي ولد في مصر وعاش فترة في السعودية وبريطانيا وعمل أمينا عاما سابقا لمنظمة التعاون الإسلامي وله علاقات جيدة مع مصر والسعودية وإندونيسيا وغيرها من الدول الإسلامية الكبرى، سيحظى بدعم وتأييد هذه الدول، سيما أن علاقة بعض هذه الدول ليست جيدة بأردوغان.

وفيما يتعلق بسياسة أردوغان الخارجية حال فوزه بالانتخابات، فقد أكد بأنه سيكون "صوت المظلومين من أفغانستان إلى سوريا ومن الصومال إلى مصر"، بحسب برنامج حزب العدالة والتنمية، مضيفاً بأنه سيستمر بالعمل للوصول إلى عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي. وقد تعددت قضايا السياسة الخارجية في الصراع الانتخابي وذلك على النحو التالي:

"الصراع على المحافظين":

واحدة من القضايا الرئيسية في هذه الانتخابات تتعلق باتجاهات تصويت الأصوات المحافظة، والتي طالما أيدت حزب العدالة والتنمية، خلال الاستحقاقات الانتخابية السابقة، وتعتبر بعض الاتجاهات في تركيا أن المحدد الرئيس من اختيار إحسان أوغلو لمنافسة أردوغان انتخابيا ترتبط بقناعة مؤداها بأن ترشيح أوغلو سيغير من المعادلات التي تسود الشارع التركي، خصوصا أن نسبة فوز العدالة والتنمية خلال العمليات الانتخابية الخالية كانت تدور حول الـ50 بالمائة، بما يجعل إستراتيجية "خلط الأوراق"، ترتبط بالتأثير على أصوات مؤيديه في أحزاب إسلامية محافظة مثل حزب السعادة والوحدة الإسلامية الكبرى، وهى إستراتيجية لا تغيب عنها رؤى  جماعة "الخدمة" التي تمتلك بدورها خرائط تصويت الناخب التركي خصوصا المحافظين منهم.

يتسق ذلك على جانب آخر، بما تسعى إليه أحزاب المعارضة من منازعة أردوغان على الكتلة التصويتية الصلبة التي طالما دعمته وساندته طيلة السنوات الخالية، وذلك ارتباطا بما تشير إليه بعض التقديرات من أن هذه الكتلة تقدر بأكثر من أربعين في المائة من المجتمع التركي. هذا ما يفسر حديث زعيم حزب الشعب كمال كيلغدار أوغلو عن عدم وجود تعارض بين الكمالية والتدين، مع أن أيديولوجية الحزب قامت في الأصل على إقصاء الدين من المجال العام، فهو الحزب الذي عارض تولي عبدالله جول رئاسة الجمهورية لمجرد أن زوجته محجبة.

ورغم أن الحزب الحاكم ومرشحه للرئاسة يوجهان انتقادات حادة لأوغلو، ويصفونه بالفاشل الذي لم ينجح في تحقيق شيء يذكر خلال سنوات ترأسه لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فإنه يبقى أقرب للتيار المحافظ الذي ينتمي إليه حزب العدالة والتنمية أكثر من قربه للتيار العلماني أو الليبرالي الذي دفع به لمنافسة أردوغان.

"مدارس الخارج":

في امتداد لقضايا الصراع الانتخابي من الساحة المحلية إلى الساحة الخارجية، برزت قضية المدارس التي تتبع جماعة فتح الله كولن في الخارج، حيث وجهت الجماعة اتهامات لأردوغان بأنه قد نقل المعركة بين الجانبين إلى خارج تركيا، عبر حث عدد من الحكومات إلى التضييق وغلق "مدارس الخدمة"، وهو الأمر الذي دفع إحسان أوغلو إلى القول إن: "المدارس التركية في الخارج تمثل وجه تركيا المشرق". وأضاف، أننا لم نرَ حتى الآن أي دليل حقيقي يبرهن على صحة مزاعم "الكيان الموازي" داخل الدولة، مطالبا باتخاذ جميع الإجراءات والتحقيقات في هذا الخصوص، بما يتفق مع الدستور والقوانين المعمول بها في البلاد.

"سقوط الخرائط":

على الرغم من أن أنقرة كانت في السابق تندد بفكرة إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، إذ كانت تخشى أن تفضي إلى تصاعد طموحات أكراد تركيا لجهة السعي للاستقلال والانضمام إلى الدولة الكردية الوليدة، ومع ذلك فإن تركيا التي أطلقت عملية سلام مع الأكراد على أراضيها باتت تتقبل إقامة دولة كردية مستقلة في العراق الذي يعاني من تنامي النزاعات الانفصالية. وبدا واضحا خلال السنوات الأخيرة أن أنقرة قد غيرت مواقفها تدريجيا وأقامت تحالفا مؤخرا مع أكراد العراق.

وأطلق رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي خرج عن سياسة أسلافه القائمة على الاعتماد على الجيش، "عملية سلام" مع أكراد تركيا. وتشير اتجاهات أكاديمية إلى احتمالات عقد صفقة تركية مع أكراد شمال العراق لإنشاء دولة تركية فيدرالية تضم إقليم شمال العراق إلى الدولة التركية، وذلك انطلاقا من تصاعد وتعمق الروابط السياسية والاقتصادية بين الجانبين، وقد يبدو ذلك تطورا دراماتيكيا يحاجج البعض بإمكانيات حدوثه، وذلك في ظل عدد من المعطيات الرئيسية:

- إن دعم وحدة أراض العراق لم يعد يخدم مصالح تركيا. فتركيا تدرك أن العراق لا يمكن أن يظل متحدا، وأن تركيا ليس لها حليف أفضل من الأكراد في المنطقة.

- إن تركيا لم تعد تخشى أن تؤدي مطالب الاستقلال من قبل أكراد العراق إلى إقامة كردستان كبرى، ذلك أنه ثمة معلومات وتقديرات تشير إلى أن تركيا تسعى إلى تعميق التعاون مع الأكراد، ارتباطا بأن طموحاتهم قد تتحقق من خلال الاندماج في الدولة التركية. وتحمل تصريحات أدلى بها حسين جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مؤخرا لصحيفة "فايننشال تايمز"، مؤشرات على الاعتقاد بذلك، إذ أشار إلى أن تركيا ستقبل إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق. وغالبية الأكراد في الشرق الأوسط مسلمون سنة ويقدر عددهم بين 25 و35 مليون شخص.

- إن تركيا بلد مختلف نسبيا عن العراق فحزب العدالة والتنمية يسيطر على قرابة نصف أصوات الأكراد بما في ذلك جنوب شرق البلاد ذي الغالبية الكردية، وأيضا انطلاقا من أن نحو نصف الأكراد في تركيا يقيمون في غرب البلاد. وقال هيو بوب من مجموعة الأزمات الدولية "هناك فرص كبيرة بان يؤدي برنامج ديمقراطي عادل يقوم على نوع من اللامركزية المنظمة في البلاد إلى الحفاظ على وحدة أراضي تركيا وازدهارها".

واعتبر دومان "ليس من مصلحة أردوغان أن يثير عدائية أكراد شمال العراق لأنه بحاجة إليهم من أجل النفط والسلع التي يصدرها إليهم". وقد أقامت تركيا علاقات تجارية متينة مع كردستان العراق خلال السنوات الخالية، وبدأت بتصدير نفط كردستان العراق إلى أسواق دولية منذ مايو الفائت، مما أثار استنكارا شديدا من قبل الحكومة المركزية في بغداد، وبات العراق السوق الثانية للصادرات التركية ويشكل 8% من مجمل مبيعاتها.

وعلى الرغم من أن أردوغان سعى لاستغلال هذه المؤشرات من أجل ضمان فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة، غير أن أكمل الدين إحسان أوغلو بدوره طرح بعض الأفكار الخاصة بتعميق مفهوم المواطنة بالنسبة لمواطني تركيا من الأكراد، وقال: "إن التكلم بلغة الأم حق إنساني أساسي ثابت مثل حليب الأم، فإذا تمكّنت من التكلّم بلغتك الأم في مكان ما، فهو وطن بالنسبة لك، أما إذا لم تستطع ذلك فهذا يعني أنك لا تعيش في وطنك".

"انهيار النظريات"

الإشكاليات التي تواجهها السياسة الخارجية التركية، من القضايا المركزية التي تعرض لها مرشحي الرئاسية، والكثير من القيادات الحزبية المؤيدة لهم، وبينما اعتمد وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلو، مجموعة من النظريات السياسية التي تؤطر لنمط توجهات تركيا حيال مختلف دول الجوار، وتشير في مجملها إلى أن تركيا تسعى إلى أن تغدو مركز تفاعلات الإقليم، وأكبر فاعليه تأثيرا.

بيد أن الأزمات التي باتت تربط أنقرة بأغلب دول جوارها والعديد من دول الإقليم، دفعت أكمل الدين إحسان أوغلو، إلى الحديث عن "انهيار نظريات السياسية الخارجية" التي باتت "غير سليمة". وقال إحسان أوغلو، إن دبلوماسية تركيا في تأييدها طرفا ما، في ظل هذه الخلافات والنزاعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، لا تصب في مصلحتها الوطنية، مؤكدا أنه لم يعد لتركيا باب تطرقه في الشرق الأوسط، وأن كل الأبواب باتت موصدة في وجهها.

وبرهن إحسان أوغلو على خطأ حسابات السياسة الخارجية لتركيا في الشرق الأوسط بقوله: "إن الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية تتشاجر فيما بينها باستمرار، على أنهم أخوة يتصالحون بعد فترة من الوقت، وحينها سيعادون تركيا". وشدد إحسان أوغلو على ضرورة إقامة تركيا علاقات جيدة مع جميع الأطراف في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أنه تم إغلاق الحدود البرية مع كل من سوريا والعراق، وآلت علاقات تركيا مع المملكة العربية السعودية إلى مرحلة الانتهاء، ولم يعد لتركيا باب تطرقه في المنطقة.

ولفت إلى أن البرقية التي بعث بها رئيس الجمهورية التركي عبد الله جول إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لتهنئته بمناسبة توليه الرئاسة، كانت خُطوة صحيحة نحو إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين. وأكد إحسان اوغلو أهمية استمرار العلاقات بين مصر وتركيا؛ قائلا: "الدبلوماسية لها أسلوبها، وليس بوسعنا أن نتصرف تجاه الأحداث التي شهدتها مصر بعاطفية".

القضية الفلسطينية:

سعى رئيس الوزراء التركي إلى توظف قضايا السياسة الخارجية لخدمة مشروعه المحلي، وقد احتلت القضية الفلسطينية موقع المركز من خطط أردوغان، الذي تطلع إلى تكوين "رأسمال شعبي" على المستوى الإقليمي، عبر توظيفه هذه القضية، وذلك بهدف تعزيز شعبيته على المستويين المحلي والإقليمي، وقد بدا ذلك ملحوظا خلال الفترة الأخيرة، خصوصا مع تصاعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.

وفي المقابل من ذلك، فإن إحسان أوغلو نظر إلى السياسة الخارجية لتركيا على أنها غير ناجحة، ولخص انتقاداته في هذا المضمار على النحو التالي: "إذا كان يتم احتجاز دبلوماسييكم كرهائن، وإذا كان لا يوجد لكم سفير في الدولة المعنية، وإذا كانت الطرق التجارية تغلق في وجوهكم، فإن ذلك يعني أن هناك مشكلة ما".

وفي معرض رده على هجوم أردوغان عليه بشأن القضية الفلسطينية وما يجري في قطاع غزة، ذكر إحسان أوغلو قائمة طويلة مما فعله في هذا الشأن، وكرر عبارة: "لقد أجريت كثير من الزيارات إلى قطاع غزة، وصليت في القدس، في أكثر من موضع وسياق"، وذلك في محاولة لإعادة الأذهان إلى إعلان أردوغان أنه سيزور غزة قبل شهور، ثم تراجعه وإعلانه تأجيل زيارته إلى أجل غير معلوم.

وقد وظفت بعد وسائل الإعلام التابعة لجماعة كولن ما كشفت عته صحيفة "شالوم"، الناطقة بلسان الطائفة اليهودية في تركيا، عن أن أحمد براق أردوغان، نجل رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، لايزال يمارس أعماله ونشاطاته التجارية مع إسرائيل. وعلى الرغم من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الشعب الفلسطيني، قالت الصحيفة، استنادا إلى صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية إن براق أردوغان مازال مستمرا بعلاقاته التجارية مع إسرائيل بواسطة باخرة يمتلكها، رغم تدهور العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وإن سفينة الشحن الضخمة "Safran1"، التي يمتلكها براق، تحمل البضائع من تركيا إلى ميناء أشدود الإسرائيلي والعكس.

 

أردوغان .."الديمقراطي المستبد"

تشير أغلب التقديرات إلى أن أردوغان قد يمثل الرئيس الثاني عشر لتركيا، وأن هناك دعم شبه مؤكد من الشعب لتحقيق هذا الهدف، فقد حصل في انتخابات البلديات في 30 مارس الماضي على نسبة أصوات تقترب من 45 في المائة، وبينت أغلب استطلاعات الرأي أنه سيحصل في الجولة الأولى في انتخابات رئاسة على نسبة تتراوح بين 52 و55 في المائة، فيما أشار الكاتب فاتح ألطايلي إلى أن أحد هذه الاستطلاعات، أكدت أن أردوغان سيفوز بنسبة 58 في المائة وهي نسبة الاستفتاء على الدستور في 2010.

ومع ذلك فإن أردوغان لا يضع في تصوره نظام حكم كالقائم في فرنسا أو في الولايات المتحدة، وإنما يسعى إلى تحويل النظام السياسي التركي على غرار نظم الحكم في أمريكا اللاتينية. وهو ما يدفع بالقول، إن النظام الرئاسي الذي يسعى لتأسيسه أردوغان في تركيا قد يغدو أقرب لـ"نظام رئاسي على الورق"، وفي الواقع، فسيكون ثمة قائد واحد بيده كل السلطة السياسية، إنه "نظام أقرب للنظم السلطوية".

وعلى الرغم مما قد يمثله ذلك من تحديات قد تواجه الديمقراطية التركية خلال السنوات المقبلة، فثمة ايجابيات تتعلق بمشهد المنافسة التي تشهدها تركيا للمرة الأولى بين مرشحين إسلاميين عملا معا حتى وقت قريب، ذلك أن أردوغان هو في واقع الأمر من رشح أوغلو للأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، وكانت العلاقة جيدة بين الرجلين قبل أن يختلفا معا حيال تطورات الأحداث في مصر وقضايا أخرى. هذا في وقت تشير فيه الدلائل إلى أن فوز أردوغان سواء من الجولة الأولى للانتخابات أو الثانية، بات يمر عبر "الصوت الكردي"، الذي يشكل "عامل الترجيح"، لكن ذلك لن يكون في كل الأحوال من دون أثمان، قد تكون باهظة.

حول الموقع

مركز الإعلام التقدمي مؤسسةٌ إعلاميَّةٌ تابعة لـ(ملتقى الرقي والتقدم) تُعنى بخلق ثقافة وطنية مدنية علمانية.