لا نعتقد اننا بحاجة الى المستر سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا الاتحادية لكي يذكرنا بالطريقة المأساوية التي اعدم فيها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، و ان يكشف لنا سرا معروفا يؤكد ان الذين نفذوا عملية الإعدام البشعة هذه و مثلوا بجثة الضحية، عادوا الى أوروبا و حصلوا على جنسيات بلدانها، و كأنه يغمز في قناة بريطانيا التي اكتشفت ان أبناء هؤلاء يقفون خلف التفجير الانتحاري الذي استهدف حفلا في مدينة مانشستر قبل اسبوع و أدى الى مقتل 22 شخصا و إصابة العشرات.

نقول ذلك لأننا كنا، وما زلنا، على رأس المعارضين المتشددين لتدخل طائرات حلف “الناتو” في ليبيا لتغيير النظام، وقتل الآلاف من الليبيين تحت أكاذيب الديمقراطية وحقوق الانسان، لأننا كنا ندرك جيدا ان الهدف لم يكن مطلقا تحقيق طموحات الليبيين المشروعة في هذا الاطار، و إنما الثأر من مواقف الزعيم الراحل في دعم قضايا التحرر و الاستقلال و السيادة في الشرق الأوسط و افريقيا، و التصدي للمشاريع الاستعمارية الغربية في صيغتها الاقتصادية الجديدة، و منح عقود ليبيا النفطية و التنموية و الاعمار لمن يستحقها في تركيا (انقلبت عليه) و الصين و الهند و روسيا و بدرجة اقل إيطاليا، مع تسليمنا مقدما بأنه كان ديكتاتورا، و أن سحله على صعيد حقوق الانسان لم يكن ورديا على الاطلاق.

***

الرئيس باراك أوباما، الذي بات يحن الى جذوره الافريقية وعقيدة والده الإسلامية في أيامه الاخيرة، لم يتردد مطلقا في التعبير عن ندمه لاتخاذ قرار التدخل العسكري في ليبيا الذي اعتبره من اكبر أخطاء ادارته، و تحميل فرنسا و بريطانيا المسؤولية الكبرى عن هذا التدخل الذي جاء من منطلقات غير أخلاقية او إنسانية، وانما تجارية نفطية واقتصادية أيضا الى جانب الاعتبارات الثأرية المذكورة آنفا.

لا يمكن ان ننسى المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، و السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، و اعلن فيه عن وضع مكافأة بمليون دولار لمن يقتل الزعيم القذافي، وسط فرحة السيدة كلينتون التي عبرت عنها بابتسامة عريضة و تصفيق حاد، و هي التي من المفترض انها تمثل العالم الحر الذي يعظنا ليل نهار بالحريات و سيادة القانون، و القضاء العادل المستقل.

ليبيا الآن تعود الى الاضواء مجددا، حيث يدخل الصراع منعطفا مختلفا، مثلما يتجدد التدخل العسكري الخارجي، بطرق متعددة، و نشهد طائرات حربية مصرية و ليبية تقصف أهدافا للجماعات المتشددة الارهابية في درنة و الجفرة، حسب البيانات العسكرية الرسمية، مثلما تتوارد الانباء عن الافراج عن السيد سيف الإسلام القذافي بقوة القانون، مثلما قال وكيل وزارة العدل الليبية.

و اللافت ان هذه الانباء حول الغارات المصرية الليبية و الافراج عن النجل الأكبر للقذافي تتزامن مع أخرى حول اقتحام سجن الهضبة في طرابلس للافراج عن شقيقه الساعدي، و عبد الله السنوسي، و أبو زيد عمر دوردة، و البغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء للعهد السابق.

***

لا نعتقد ان كل هذه لتطورات تأتي بمحض الصدفة، و نذهب الى ما هو أبعد من ذلك و “نتكهن” بأنها قد تتم جميعا في اطار سيناريو جديد لليبيا يجري طبخه على نار هادئة لبلورة نظام جديد قد يكون على رأسه القذافي الصغير في اطار شراكة سياسية مع المشير خليفة حفتر، أحد الأبناء العاقيّن و المنشقين عن النظام السابق.

نحن هنا نتكهن، و كل ما نعرفه ان أوروبا التي تعاني من مشاكل الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من السواحل الليبية (2000 كيلومير على المتوسط)، باتت تلتقي مع روسيا و دول الجوار الليبي في ضرورة الوصول الى حل يضع حدا لحالة الفوضى الدموية التي تسود ليبيا، و تحولها الى حاضنة للجماعات الإسلامية المتطرفة.

لعل غمز لافروف من قناة بريطانيا و أوروبا و تفجير مانشستر الهدف منه هو القول بأنكم خلقتم المشكلة و تدفعون ثمن اخطائكم، و نحن الذين نملك طوق النجاة لانقاذكم من المستنقع الليبي الذي حفرتموه، و لا نعرف ما اذا كان مصيبا في تلميحاته هذه ام لا، و هل تسير ليبيا على طريق الحل .. أم اننا امام تدخل عسكري قد تكون نتائجه اكثر سوءا من سابقه..؟ ليس أمامنا من خيار غير الانتظار.

المصدر: رأي اليوم

حول الموقع

مركز الإعلام التقدمي مؤسسةٌ إعلاميَّةٌ تابعة لـ(ملتقى الرقي والتقدم) تُعنى بخلق ثقافة وطنية مدنية علمانية.